محمد حسين هيكل
153
حياة محمد ( ص )
تردّده ؛ فقال لها : عليك بالرفق . وكذلك شملت رحمته كل ما اتصل بها ، وأظلت كل من كان في حاجة إلى تفيّؤ ظلالها . إخاء عدل ورحمة وهي لم تكن رحمة ضعف ولا استكانة ، ولم تشبها شائبة منّ ولا استعلاء إنما كانت إخاء في اللّه بين محمد والذين اتّصلوا به جميعا . ومن ثمّ يفترق أساس حضارة الإسلام عن كثير من سائر الحضارات . الإسلام يضع العدل إلى جانب الإخاء ويرى أن الإخاء لا يكون إخاء إلا به . ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) « 1 » . ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) « 2 » . يجب أن يكون الدافع النفساني وحده والإرادة الحرة المطلقة وابتغاء وجه اللّه دون أي اعتبار آخر مصدر الإخاء وما يدعو إليه من بر ورحمة . ويجب أن يصدر ذلك عن نفس قوية لا تعرف لغير اللّه إسلاما ولا تضعف ولا تتهالك باسم الورع أو التقوى ، ولا يتسرّب إليها خوف أو وهن إلا عن معصية ولا تكون قوية إذا خضعت لحكم أهوائها وشهواتها . وقد هاجر محمدا وأصحابه من مكة حتى لا يكونوا في حكم قريش ولا يوهن أذاها نفس أحد منهم . والنفس إنما تخضع لحكم الأهواء والشهوات إذا تحكم الجسد في الروح وغلبت الشهوة العقل ، وأصبحنا نقيم للحياة الخارجة عنّا سلطانا على حياتنا نحن ، على حين أنّا في غنى عنها وأنّا أصحاب السلطان عليها . قوة محمد على الحياة وكان محمد المثل الأعلى في القوّة على الحياة ، قوّة جعلته لا يأبى أن يعطي غيره كل ما عنده ؛ حتى قال أحدهم : إنّ محمدا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة . ولكي لا يكون لشيء مما في الحياة سلطان عليه ، وليكون له هو كل السلطان عليها ، كان شديد الزهد في مادّتها ، على شدة رغبته في الإحاطة بها وفي معرفة أسرارها ، وتوقه إلى غاية الحقيقة من أمرها . بلغ من زهده فيها أن كان في فراشه الذي ينام عليه أدما حشوه ليف ، وأنه لم يشبع قط ، ولم يطعم خبز الشعير يومين متواليين ، وكان السويق طعام أكلته الكبرى ، وكان التمر طعام سائر يومه . وكان الثريد مما لا يكثر له ولأهله تناوله . ولقد عانى الجوع غير مرة ، حتى كان يشدّ على بطنه حجرا يكظم به على صيحات معدته . ذلك كان المعروف عنه في طعامه ، وإن لم يمنعه ذلك من أن ينال في بعض الأحايين من أطايب الرزق ، وأن يعرف عنه حبّه زند الخروف والقرع والعسل والحلوى . وكان زهده في اللباس كزهده في الطعام . أعطته امرأة يوما ثوبا كان في حاجة إليه ، فطلب إليه أحدهم ما يصلح كفنا لميت فأعطاه الثوب . وكان معروف ثيابه القميص والكساء ، وكانا من صوف أو قطن أو تيل . على أنه في بعض الأحيان لم يكن يأبى أن يلبس من أنسجة اليمن لباسا فخما يناسب المقام إذا اقتضاه المقام ذلك . وكان يحتذي حذاء بسيطا ، ولم يلبس خفّا إلا حين أهدى إليه النجاشي خفّين وسراويل . لم يكن هذا الزهد ، ولا هذه الرغبة عن الدنيا تقشفا للتقشف ، ولا كانا من فرائض الدين ؛ فقد جاء في القرآن : ( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) « 3 » وجاء : ( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) « 4 » .
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 194 . ( 2 ) سورة البقرة آية 179 . ( 3 ) سورة البقرة آية 57 . ( 4 ) سورة القصص آية 77 .